محمد راغب الطباخ الحلبي

296

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

ورحل معه إلى زيارة بيت المقدس ، وفي هذه الرحلة حفظ المترجم « جمع الجوامع » الأصولي عن ظهر قلب . ولم يزل مشتغلا في تحصيل العلوم حتى مهر وبهر وصار في عصره ممن برع واشتهر . ثم رجع إلى بلده حلب الشهباء ولازمه الطلبة وانتفعوا به ، وصار العلم في حلب وملحقاتها لا يرفع سنده إلا إليه في الغالب لفقد العلماء بسبب الطاعون الذي حصل في حلب وملحقاتها سنة 1264 أيام إبراهيم باشا المصري ، إلى أن رحم اللّه تلك الجهة بالمترجم وبتلميذه شيخنا الشهاب أحمد الترمانيني ، فأحيا بهما العلم بعد دروسه وانطماس آثاره في حلب وملحقاتها ، كل ذلك مع اشتغال المترجم بإحياء المدارس والمساجد التي تقادم العهد عليها واندرس معظمها لا سيما في زلازل سنة 1237 ، وضبط الناس ما بقي من أوقافها فأحيا من ذلك القدر الكثير ، ومن جملتها المسجد الكائن في وسط الزقاق الواقع شرقي الخان المعروف بخان الكمرك « 1 » ، وكان بعض الأجانب قد استولى عليه وجعله مربطا للدواب . وقصة تخليصه من يد الأجنبي معروفة مشهورة . وكان رحمه اللّه مع اشتغاله بجميع ذلك مشتغلا بأمور العامة والشفاعة لهم عند الحكام وولاة الأمور ، وكان مقبول الشفاعة مرعي الجانب نافذ الأمر مسموع الكلمة ، لم يعهد أنه رد في أمر توجه به ، وكان يعيب على شيخنا الشيخ أحمد الترمانيني عزلته عن الناس وانفراده بخويصّة نفسه ويقول : إن اللّه يسأل العالم عن جاه العلم . واستدعاه السلطان عبد المجيد خان عليه الرحمة والرضوان مع من استدعاهم من علماء المملكة العثمانية للإعزاز الذي أعده لختان أولاده ، ولما أذن للمترجم بالمثول لدى الحضرة الشاهانية دخل فابتدأ بالسلام المسنون وصافح أمير المؤمنين وقرأ ويده في يده سورة

--> ( 1 ) قال أبو ذر في كنوز الذهب في الكلام على الدروب : هذا الدرب يعرف قديما بدرب الحصادين وبه مسجد متسع عمره أبو الفتح مسعود ابن الأمير سابق الدين عثمان في سنة خمس وستماية . وسابق الدين هو ابن داية نور الدين محمود . وكان بهذا الدرب مسجد آخر معلق وقد خرب ودرجه باق . وبه مطهرة عمرها أقوش أستادار ألطنبغا كافل حلب ا ه . أقول : أما المسجد فهو باق يقرئ فيه بعض المشايخ الأطفال وهو الذي حاول بعض الأجانب الاستيلاء عليه ، وأما المسجد المعلق فلا وجود له ، والمطهرة دخلت في عمارة خان الكمرك وأثرها باق في أول هذا الزقاق من جهة الأسواق ، وبجانبها حانوت مسدود دخل في عمارة الخان أيضا وقد كتب على حجرة فوقه : ( هذا الحانوت وقف على الطهارة ) .